حوار – أحمد الأحمدي
أكد الدكتور فهد بن عتيق نائب رئيس مجلس إدارة الجمعية التاريخية السعودية للمتاحف أن المتاحف السعودية تحولت في ظل رؤية المملكة الطموحة ٢٠٣٠ والتحول الوطني من حفظ التاريخ وتوثيقه إلى صناعة للوعي الحضاري وأكد الدكتور المالكي في حوار صحفي إلى أن التحول العميق الذي تعيشه المتاحف السعودية اليوم له علاقة وثيقة بالوثيقة الوطنية وهذه الرؤية ومستقبل الثقافة في المملكة وقال أنه في ظل التحولات الكبرى التي شهدتها وتشهدها المملكة برزت هذه المتاحف بوصفها إحدى أهم أدوات الوعي الحضاري وصناعة الهوية الوطنية بعد أن تجاوزت المفهوم التقليدي القائم على عرض المقتنيات الأثرية إلى فضاءات معرفية وثقافية تفاعلية تُعيد قراءة التاريخ بلغة العصر.
وفي هذا الحوار الثقافي، يتحدث سعادة الأستاذ الدكتور فهد بن عتيق المالكي — أستاذ التاريخ بجامعة أم القرى — عن التحول العميق الذي تعيشه المتاحف السعودية، وعلاقتها بالهوية الوطنية، والتقنية، ورؤية المملكة 2030، ومستقبل الثقافة المتحفية في المملكة.
وفيما يلي الحوار ٠
بدايةً… كيف تقرؤون التحول الذي شهدته المتاحف في العصر الحديث؟
المتاحف اليوم لم تعد مؤسسات صامتة لحفظ القطع الأثرية كما كان يُنظر إليها في الماضي، بل أصبحت فضاءاتٍ حضاريةً حية تُمارس أدوارًا معرفية وثقافية وتربوية تتجاوز مفهوم “العرض” إلى مفهوم “التأثير”.
لقد تغيّر مفهوم المتحف عالميًا بصورة جذرية؛ فبعد أن كان الزائر يأتي لمشاهدة قطعة جامدة خلف صندوق زجاجي، أصبح المتحف المعاصر يُنتج تجربةً إنسانيةً متكاملة تُخاطب العقل والوجدان والذاكرة والهوية في آنٍ واحد.
وفي تقديري، فإنَّ التحول الأهم يتمثل في انتقال المتاحف من مرحلة “حفظ الأشياء” إلى مرحلة “صناعة المعنى”. فالمتحف الحقيقي ليس الذي يحتفظ بالماضي فحسب، وإنما الذي يُعيد تفسير هذا الماضي وربطه بأسئلة الحاضر وتحديات المستقبل.
ولهذا أصبحت المتاحف جزءًا من أدوات القوة الناعمة للدول، ومؤشرًا على نضجها الثقافي والحضاري، بل إن بعض الدول باتت تُعرَف عالميًا بمتاحفها قبل أي شيء آخر؛ لأن المتحف أصبح خطابًا حضاريًا يُعبّر عن وعي الأمة بنفسها وبمكانتها التاريخية.

⸻
كيف تنظرون إلى العلاقة بين المتاحف والهوية الوطنية؟
العلاقة بين المتاحف والهوية الوطنية علاقة عضوية وعميقة للغاية؛ لأن الهوية لا تُبنى بالشعارات المجردة، وإنما تُبنى بالوعي التاريخي المتراكم. وهنا يأتي دور المتحف بوصفه “الذاكرة البصرية للأمة”.
فالإنسان عندما يرى الوثيقة الأصلية، أو القطعة الأثرية، أو المخطوط التاريخي، فإنه لا يقرأ التاريخ فقط، بل يشعر به ويعيشه وجدانيًا. وهذه نقطة بالغة الأهمية في تشكيل الانتماء الوطني؛ لأن الانتماء الحقيقي ينشأ من المعرفة، وكلما ازداد وعي الإنسان بتاريخ وطنه ومنجزاته الحضارية ازداد اعتزازه بهويته الوطنية.
ومن هنا فإنَّ المتاحف السعودية تؤدي اليوم دورًا بالغ الأهمية في إبراز العمق التاريخي للدولة السعودية، وتوثيق التحولات الحضارية والتنموية التي شهدتها المملكة عبر مراحلها المختلفة، وهو ما يجعل المتحف مؤسسةً وطنيةً بامتياز، لا مجرد مؤسسة ثقافية.
⸻
ما الذي يميز التجربة السعودية في قطاع المتاحف؟
التجربة السعودية تتميز بأنها انتقلت خلال فترة زمنية قصيرة نسبيًا من مرحلة الاهتمام المحدود بالتراث إلى مشروع حضاري متكامل يُعيد بناء المشهد الثقافي بصورة احترافية عالمية.
وفي الحقيقة، ما يحدث اليوم في المملكة يتجاوز فكرة إنشاء متاحف جديدة؛ نحن أمام إعادة صياغة شاملة للعلاقة بين المجتمع والتراث والثقافة. فالمتاحف السعودية أصبحت جزءًا من مشروع وطني ضخم يرتبط برؤية المملكة 2030، التي تنظر إلى الثقافة باعتبارها ركيزةً من ركائز التنمية وجودة الحياة والاقتصاد الإبداعي.
ولذلك نلاحظ اليوم حضورًا متصاعدًا للمتاحف في المشروعات الوطنية الكبرى، إلى جانب التوسع في تسجيل المواقع السعودية ضمن قائمة التراث العالمي، وتطوير المعارض الثقافية، وإعادة تأهيل المواقع التاريخية، وتوظيف التقنيات الحديثة في العرض والتوثيق.
وهذا يعكس إدراكًا عميقًا لدى القيادة الرشيدة بأنَّ الاستثمار في الثقافة هو استثمار في الإنسان وفي صورة الوطن عالميًا.
⸻
إلى أي مدى أسهمت التقنية الحديثة في تطوير المتاحف؟
التقنية اليوم غيّرت مفهوم التجربة المتحفية بالكامل. فالمتحف الحديث لم يعد يعتمد على المشاهدة التقليدية فقط، بل أصبح يعتمد على “التفاعل الذكي” مع الزائر.
واليوم نجد استخدامًا واسعًا لتقنيات الواقع الافتراضي والواقع المعزز والذكاء الاصطناعي والهولوجرام والشاشات التفاعلية والخرائط الرقمية، وهي أدوات لم تعد مجرد وسائل إبهار بصري، وإنما أصبحت أدوات معرفية تساعد على تفسير المحتوى التاريخي بصورة أكثر عمقًا ووضوحًا.
وفي المملكة العربية السعودية هناك توجه متقدم نحو بناء متاحف ذكية قادرة على مخاطبة الأجيال الجديدة بلغة العصر الرقمي، خصوصًا أنَّ الشباب اليوم يتفاعلون بصورة أكبر مع التجارب التفاعلية والمرئية.
وأعتقد أنَّ نجاح المتحف المعاصر لم يعد يقاس بعدد القطع المعروضة فقط، وإنما بقدرته على تحويل المعرفة التاريخية إلى تجربة إنسانية مؤثرة تبقى في ذاكرة الزائر.
⸻
هل يمكن للمتاحف أن تؤثر في التنمية الثقافية والاقتصادية؟
بلا شك. المتاحف اليوم أصبحت جزءًا من الاقتصاد الثقافي العالمي، وتسهم بصورة مباشرة وغير مباشرة في دعم السياحة، وتنشيط الصناعات الإبداعية، وتعزيز الحراك الثقافي والمعرفي.
بل إن بعض المدن العالمية أصبحت متاحفها عنصرًا رئيسًا في اقتصادها السياحي والثقافي. وعندما نتحدث عن المملكة العربية السعودية بما تمتلكه من عمق تاريخي وحضاري هائل، فإننا نتحدث عن فرصة استثنائية لبناء صناعة متحفية عالمية قادرة على جذب الباحثين والسياح والمهتمين من مختلف أنحاء العالم.
ولهذا فإنَّ الاستثمار في المتاحف ليس ترفًا ثقافيًا، بل هو استثمار حضاري وتنموي واقتصادي طويل المدى.
⸻
كيف ترون مستقبل المتاحف السعودية خلال السنوات المقبلة؟
أنا أعتقد أنَّ المتاحف السعودية مقبلة على مرحلة تاريخية غير مسبوقة، خصوصًا في ظل الحراك الثقافي الكبير الذي تعيشه المملكة اليوم.
وخلال السنوات القادمة سنشهد — بإذن الله — انتقال المتاحف السعودية من مرحلة “العرض المحلي” إلى مرحلة “الحضور العالمي”، سواء من خلال التقنيات الحديثة، أو الشراكات الدولية، أو جودة المحتوى الثقافي والمعرفي الذي تقدمه.
كما أتوقع أن تتحول بعض المتاحف السعودية إلى مراكز بحثية وثقافية عالمية تُنتج المعرفة ولا تكتفي بعرضها فقط، وهو ما سيجعل المملكة واحدة من أهم القوى الثقافية الصاعدة في المنطقة.
وفي تقديري، فإنَّ أعظم ما يمكن أن تصنعه المتاحف هو أنها تُعيد بناء العلاقة بين الإنسان وتاريخه؛ لأن الأمم التي تفقد ذاكرتها الحضارية تفقد جزءًا كبيرًا من قدرتها على صناعة المستقبل.

ولهذا فإنَّ المتاحف السعودية اليوم لا تحفظ التاريخ فقط… بل تُعيد تقديمه للعالم بوصفه رسالة حضارية وإنسانية تعبّر عن عمق المملكة ومكانتها التاريخية والثقافية




