تستحضر ذاكرة أهالي منطقة الباحة مشاهد اجتماعية دافئة تسبق دخول شهر رمضان المبارك بأيام، شكّلت عبر العقود لوحةً متكاملة امتزجت فيها روحانية الشهر الكريم بقيم التكافل والتراحم، والعادات المتوارثة التي لا تزال حاضرة في وجدان الأهالي حتى اليوم.
وكانت “المقاضي الرمضانية” أبرز ملامح الاستعداد للشهر الفضيل؛ إذ يتجه الرجال قبيل رمضان إلى سوق رغدان والأسواق الأسبوعية في المحافظات لشراء احتياجات المنازل من الحبوب، والسمن البلدي، والتمر، والقهوة، إلى جانب الأواني المنزلية ومختلف المستلزمات، فيما تبدأ النساء في تجهيز المكونات الأساسية للأكلات الشعبية، وطحن الحبوب، وتحضير الدقيق لخبز التنور، في مشهد يعكس بساطة الحياة وعمق التعاون الأسري.
وتتصدر “العصيدة” بالسمن والعسل قائمة الأطباق التي تميّز موائد الإفطار قديمًا، إلى جانب الشوربات المصنوعة من الحبوب المحلية، والمرقوق، فيما ظلّ التمر والقهوة عنصرين ثابتين على كل مائدة، إذ كانت الأطعمة تُعدّ بكميات تكفي أهل البيت، ويُرسل جزءٌ منها إلى الجيران، في عادة اجتماعية تجسّد معاني الإيثار والتراحم بين الأسر.

ويستعيد عددٌ من كبار السن تفاصيل استقبال الشهر بطقوس تعبّر عن الفرح بقدومه، وتؤكد عمق الترابط بين القرى وسكانها؛ إذ أوضح أحمد الغامدي (80 عامًا) أن أهالي القرى في الباحة كانوا يستقبلون دخول شهر رمضان بإشعال “المشاعيل” في قمم الجبال إيذانًا ببدء الشهر الفضيل، في مشهد يراه سكان القرى المجاورة فيدركون حلول رمضان.
وبيّن أن بعض القرى كانت تعتمد كذلك على رمي “البندق” -وهو إطلاق أعيرة نارية في الهواء- لإعلام الناس بدخول الشهر، في تقليد يعكس بساطة الوسائل وقوة التلاحم المجتمعي آنذاك.
وأشار إلى أن ليالي رمضان كانت عامرة بالسمر بعد صلاة التراويح، إذ يجتمع الرجال في المجالس لتبادل الأحاديث والسؤال عن أحوال بعضهم بعضًا، في صورة تعزّز أواصر القربى، فيما تتشارك النساء إعداد الأطعمة وتبادل الأطباق بين البيوت، بما يعكس روح المشاركة التي ميّزت المجتمع في تلك الفترة.

وكان لسوق رغدان الأسبوعي حضور بارز في ذاكرة رمضان بالمنطقة؛ إذ يُقام يوم الأحد، ويشكّل محطة رئيسة لتوفير احتياجات الأسبوع من الخضروات والفواكه والتمور والأواني ومختلف المستلزمات، حيث يقصده الأهالي من القرى المجاورة في أجواء يغلب عليها الطابع الاجتماعي إلى جانب النشاط التجاري.
كما كان الإفطار في المساجد أحد أبرز المظاهر الرمضانية؛ إذ يجتمع الأهالي قبيل أذان المغرب، يحمل كلٌّ منهم ما تيسّر من تمر أو طعام، لتُفرش السفرة بشكل جماعي يجلس حولها الجميع دون تكلّف، في مشهد يجسّد معاني الأخوّة والمساواة، ويعكس روح التكافل التي اتسم بها المجتمع آنذاك.

وتبقى هذه الممارسات الاجتماعية جزءًا أصيلًا من الإرث الثقافي لمنطقة الباحة، تُستعاد تفاصيلها كلما أقبل رمضان، بوصفها شاهدًا على مرحلة امتزجت فيها روحانية الشهر الكريم ببساطة العيش وصدق العلاقات بين الناس، في تقاليد متوارثة لا تزال بعض ملامحها حاضرة رغم تطوّر وسائل الحياة وتبدّل أنماطها.




