وائل العتيبي – جدة
رحلت مساء الأحد الفنانة التشكيلية السعودية البارزة منى عبدالله عثمان القصبي، إحدى أهم رائدات الفن التشكيلي في المملكة، بعد مسيرة حافلة بالعطاء الإبداعي والعمل الثقافي المؤثر، شكّلت خلالها علامة فارقة في مسار الحركة التشكيلية محليًا وعربيًا ودوليًا، لتغيب الجسد وتبقى بصمتها حيّة في ذاكرة الفن.

*صورة تختزل مسيرة: الفنانة التشكيلية الراحلة تتوسط أبناءها الفنانين، في مشهد يوثّق انتقال الريشة من جيل إلى جيل، واستمرار الحكاية اللونية رغم الغياب*
وتركت الراحلة خلفها إرثًا فنيًا ثريًا، حفرت من خلاله حضورها بروحها الخاصة وبأسلوبها الذي لا يُخطئه المتابعون، كما تنتمي إلى أسرة معروفة، فهي شقيقة معالي وزير التجارة الدكتور ماجد بن عبدالله القصبي، في تقاطع لافت بين الفن والمسؤولية العامة.
وُلدت الراحلة في جدة، وتخرّجت في جامعة الملك عبدالعزيز حاصلة على درجة البكالوريوس في اللغة الإنجليزية، غير أن شغفها بالفن قادها إلى تكريس حياتها للتشكيل، مستندة إلى بيئة ثقافية ثرية بصفتها ابنة أحد رواد الأدب والصحافة، لتبني تجربة فنية مستقلة ومؤثرة.

- لوحة ” بسيمة “
ولم يقتصر حضورها على الإنتاج الفني، بل امتد إلى تأسيس بنية مؤسسية للحراك التشكيلي، عبر إنشائها وإدارتها للمركز السعودي للفنون التشكيلية الذي انطلق عام 1408هـ، واحتضن أكثر من مائتي معرض فني، إلى جانب استضافته فنانين عربًا وأجانب، ما أسهم في خلق بيئة تفاعلية أثرت التجربة التشكيلية السعودية، وجعل من المركز أحد أبرز المعالم الثقافية في جدة ومنصة لانطلاق أجيال من الفنانين.
وخلال مسيرتها، شاركت القصبي في أكثر من مائة معرض جماعي، إلى جانب ثلاثة معارض شخصية، ومثّلت المملكة في محافل فنية دولية في المغرب وفرنسا واليمن ومصر، كما سجّلت حضورًا بارزًا في مهرجان الجنادرية، وبينالي القاهرة، ومعارض في روما وشرم الشيخ، وبينالي بنين، وسمبوزيوم اليمن الدولي الأول، ما عزّز من حضورها في المشهد الفني العالمي.
وحصدت الراحلة سلسلة طويلة من الجوائز والتكريمات، من بينها جائزة الخطوط السعودية في مسابقة “ملوّن السعودية” عام 1419هـ، وفوزها في مشروع أبناء الأمير عبدالله بن عبدالعزيز عام 1421هـ، وفوزها في معرض الفنانات السعوديات بالرياض عام 1422هـ، إلى جانب تكريمها من الأمير سلطان بن فهد عام 1424هـ لدورها الريادي في الفنون التشكيلية. كما حصلت على شهادات تقدير متعددة، من بينها مشاركتها في المعرض الثامن عشر للفن السعودي المعاصر، ودورة ألعاب التضامن الإسلامي، والمعرض السعودي البولندي.

لوحة ” العيد فرحه”
وتواصلت إنجازاتها بحصولها على جوائز وتكريمات من جهات متعددة، من بينها المستشفى السعودي الألماني، والمستودع الخيري، ومركز الازدهار، إضافة إلى شهادة تقدير وجائزة اقتناء من الأمير سعود الفيصل عام 2007، وجائزة لجنة التحكيم في مهرجان “تحت بيرق سيدي”، ومشاركاتها في معارض نوعية مثل “أودي للفنون الجميلة”.
وعلى الصعيد الدولي، نالت تكريمات بارزة، منها تكريمها في فرنسا من رئيس صالون الخريف الفرنسي نويل كوريه عام 2011، وتكريمها من محافظ جنوب سيناء، إضافة إلى جائزة المصحف الأثري من الأميرة صيته بنت عبدالله، وشهادات تقدير من ملتقيات فنية عربية ودولية، ومشاركاتها في بينالي بنين ومعارض البحرين، وتكريمها من صالون الخريف في باريس عام 2014.

لوحة ” فرحة “
وفي السنوات الأخيرة، استمر حضورها الفاعل، حيث كرّمها معهد مسك للفنون عام 2019 ضمن قائمة الفنانين المؤثرين، كما نالت تكريمًا من الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون عام 2022، وشاركت في معرض “نحن معًا” بالمدينة المنورة، ومعرض بصالة فيصل بن فهد في الرياض صيف 2023، إلى جانب حصولها على دروع تكريمية من صحف “المدينة” و“عكاظ” و“البلاد”، ودرع شكر وتقدير من طلال أدهم.
👈ومن المقرر أن يُصلى عليها اليوم (الثلاثاء) بعد صلاة الظهر في الحرم المكي الشريف، على أن يُوارى جثمانها الثرى في مقبرة المعلاة بمكة المكرمة، في وداع يليق باسمٍ ظل حاضرًا في الذاكرة الثقافية حتى لحظة الغياب.
وبرحيل منى القصبي، تفقد الساحة الثقافية السعودية قامة فنية أسهمت في بناء مشهد تشكيلي متكامل، عبر تجربة جمعت بين الإبداع والدعم المؤسسي، وتركت إرثًا غنيًا سيظل شاهدًا على مسيرة استثنائية.
إنا لله وإنا إليه راجعون.




