الثقافية – متابعة
في أجواءٍ ثقافية نابضة بالتساؤل والوعي، وضمن مبادرة الشريك الأدبي، احتضن مقهى قيصرية الكتاب بالشراكة مع ديوانية الحسين التاريخية ومركز قنطرة المعرفة الثقافية، أمسية فكرية استضاف فيها الكاتب والإعلامي الأستاذ عبدالله الحسني، تحت عنوان: “هل نكتب… أم نُنسخ؟ الكتابة والإبداع في زمن البرادايم الخوارزمي”. وقد شهدت الجلسة حضورًا نوعيًا من المهتمين بقضايا الفكر والتحول المعرفي في عصر الذكاء الاصطناعي.
الأمسية جاءت ثرية ومتنوعة، بل مختلفة في طرحها منذ اللحظة الأولى؛ إذ قاد الحوار الزميل محمد العبدالوهاب بأسئلة عميقة حرّكت مناطق التأمل، ودفعت النقاش إلى ما هو أبعد من المقارنات السطحية بين الإنسان والآلة.
ولم يكن الحديث عن قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج النصوص، بل عن موقع الإنسان نفسه داخل هذا التحول، وعن معنى الكتابة حين تصبح النماذج قادرة على تقليدها.
انطلق الحسني من فكرة محورية مفادها أن الإشكال لم يعد تقنيًا بل وجوديًا فالفرق الحقيقي ليس بين نص بشري وآخر آلي، بل بين كتابة تنبع من حاجة داخلية، وكتابة تُنتَج لأنها نتيجة محتملة ضمن نظام حسابي.
ومن هنا أعاد توجيه البوصلة نحو سؤال الوعي: كيف غيّر “البرادايم الخوارزمي” تصورنا للذات؟ وكيف أثّر في فهمنا للإبداع بوصفه فعل تجاوز، لا مجرد استجابة لأنماط جاهزة؟
وتوسّع الطرح ليشمل التحول الأوسع الذي نعيشه اليوم في علاقتنا بالمعرفة. فنحن أمام زمنٍ تتدفق فيه الأفكار عبر الشاشات بوتيرة متسارعة، وتصلنا الثقافة فيه على هيئة مقاطع قصيرة ومنشورات سريعة، بعد أن كانت تُبنى عبر مسار طويل من القراءة والحوار والتدرّج. لم تعد المعرفة تُطلب بجهدٍ مقصود، بل صارت هي التي تبادر إلينا، تقترح نفسها باستمرار، وتعيد تشكيل أولوياتنا من حيث لا نشعر.
وأوضح الحسني أن الخوارزميات لم تعد مجرد أدوات تقنية، بل أصبحت بيئة تؤطر التجربة اليومية للإنسان؛ فهي ترصد سلوكه الرقمي، وتحلل تفضيلاته، ثم تعيد تقديم العالم له وفق ما اعتادت عليه عيناه وعقله. ومع الزمن، يتحول هذا التكرار إلى نمط ذهني، وإلى ذوق مستقر، بل وإلى قناعات راسخة. وهنا يكمن التحول الأخطر: انتقال الإنسان من كائن يكتشف العالم، إلى كائن يُعاد ترتيب عالمه له مسبقًا.

*عبدالحسني مقدماً ورقته ويبدو مدير الحوار محمد العبدالوهاب*
وتطرقت الورقة إلى مفهوم تحوّل الإنسان من تجربة مفتوحة على الاحتمالات إلى نموذج قابل للنمذجة، في ظل تأثير التكرار على اللدونة الدماغية، وصولًا إلى ما وصفه الحسني بحالة “التعفّن الدماغي”؛ وهي ليست قصورًا في القدرة، بل نتيجة تكيّف طويل مع محتوى لا يستفز التفكير ولا يوسّع الأفق. فحين تتراجع المسافة بين السؤال والإجابة، يبهت الشغف بالاكتشاف.
وفي قراءة متزنة للذكاء الاصطناعي، أشار الحسني إلى أنه لا يقف في مواجهة الإنسان بقدر ما يكشف له حقيقته؛ فالآلة تنجح في تقليد الأنماط، لكنها تعجز عن عيش التجربة. وإذا كانت بعض النصوص البشرية قابلة للاستنساخ بسهولة، فذلك لأنها كُتبت أصلًا داخل قوالب متوقعة. أما الكتابة الحية، فهي تلك التي تفاجئ حتى صاحبها، وتفتح أفقًا لم يكن محسوبًا مسبقًا.
الأمسية شهدت تفاعلاً ثريًا من الحضور، حيث أسهمت مداخلات الدكتور عبدالله العمري، والدكتور خالد خضري، والدكتورة مزنة العتيبي، والاستاذة الاعلامية منيرة المشخص، والاستاذ الإعلامي أحمد الحربي في توسيع دائرة النقاش، وتحويل الجلسة إلى ورشة تفكير جماعي حول مصير الكتابة، ودور الثقافة، وحدود التأثير الخوارزمي في تشكيل وعينا المعاصر.





