متابعة_علي بن سعد القحطاني
توفي اليوم معالي الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السويلم، بعد مسيرة طويلة حافلة بالعطاء في مجالات الطب والعمل المؤسسي والخدمة المجتمعية والتطوعية، شكّل خلالها نموذجًا وطنيًا جمع بين الكفاءة المهنية، والنزاهة الإدارية، والحضور الإنساني الهادئ.
ويُعد الدكتور السويلم من الشخصيات البارزة في القطاع الصحي بالمملكة العربية السعودية؛ إذ أسهم في مراحل متعددة من تطوره، وتولى عددًا من المناصب القيادية، من بينها رئاسة هيئة الهلال الأحمر السعودي، وعضوية مجلس الشورى، إلى جانب حضوره المؤثر في العمل التطوعي وغير الربحي.
وعُرف الراحل بتواضعه اللافت، وحرصه على توثيق العمل بدقة، ونسبة الفضل إلى أصحابه، وعدم اختزال المنجزات في شخصه؛ إذ كان يؤكد دائمًا على الشراكة المؤسسية، ويستحضر أدوار من سبقوه، ومن عملوا معه، ومن خلفوه في المواقع المختلفة. كما تميّز بأمانته العلمية، وحرصه على التثبت من المعلومات، وهو ما تجلّى بوضوح في مشروع سيرته الذاتية التي كان يعمل عليها في سنواته الأخيرة.
ولم يتوقف عطاؤه عند حدود العمل الرسمي، بل استمر في ميادين الخدمة المجتمعية والخيرية حتى في مراحل متقدمة من العمر، دون سعي للظهور أو التقدير، مؤمنًا بأن أثر العمل الصادق هو ما يبقى بعد الرحيل.
قراءة توثيقية لتاريخ العمل الإنساني للمملكة
وسبق أن أجرت ديوانية أسرة السويلم الافتراضية لقاءً مع معالي الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز بن أحمد السويلم، قدّم فيه قراءة توثيقية موسّعة لتاريخ العمل الإنساني في المملكة، واستعرض خلاله مسيرة الهلال الأحمر السعودي ضمن السياق التاريخي للحركة الدولية للصليب والهلال الأحمر.
ويُعد الدكتور السويلم من الشخصيات البارزة في المجال الإنساني؛ إذ شغل رئاسة جمعية الهلال الأحمر السعودي، وترأس مجلس إدارة جمعية «عناية» الخيرية، إضافة إلى عضويته في مجالس إدارات عدد من الجمعيات الخيرية، كما يُعد من مؤسسي جمعية طب الأطفال ورئيسها السابق، ومثّل المملكة في محافل دولية متعددة.
الحركة الدولية للصليب والهلال الأحمر
استهل الدكتور السويلم حديثه بالعودة إلى الجذور التاريخية للحركة الدولية للصليب والهلال الأحمر، موضحًا أنها نشأت عام 1864م، في مرحلة لم يكن فيها قانون دولي إنساني يحمي الجرحى أو الأسرى أو المدنيين أو المنشآت الصحية والتعليمية أثناء النزاعات المسلحة. وأشار إلى أن المفكر السويسري هنري دونان كان الشرارة الأولى لتأسيس هذه الحركة عقب مشاهدته المأساوية لمعركة «سولفرينو» عام 1859م.
قصة الشعار: من الصليب إلى الهلال
تناول الدكتور السويلم قصة اختيار الشعار، موضحًا أن الصليب الأحمر لم يكن رمزًا دينيًا بقدر ما كان انعكاسًا مقلوبًا لعلم سويسرا، قبل اعتماد الهلال الأحمر شعارًا موازيًا عام 1929م، ثم اعتماد «البلورة الحمراء» لاحقًا كشعار محايد.
وأوضح أن الحركة الدولية تتكون من اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والاتحاد الدولي لجمعيات الصليب والهلال الأحمر، والجمعيات الوطنية، وتُدار عبر لجنة عليا دائمة تُنسق بين الأطراف وتعقد مؤتمرًا دوليًا كل أربع سنوات.
نشأة الهلال الأحمر السعودي
وتناول تاريخ الهلال الأحمر السعودي منذ عام 1353هـ، مرورًا بتأسيس جمعية الإسعاف الخيري عام 1354هـ، وصولًا إلى إنشاء جمعية الهلال الأحمر السعودي بصيغتها الحديثة عام 1383هـ (1963م)، وتوسعها في مختلف مناطق المملكة.
تطور الخدمات والإمكانات
وأشار إلى تطور الخدمات من نقل المرضى إلى الإسعاف الميداني والتدريب والتوعية، وارتفاع عدد المراكز إلى أكثر من 425 مركزًا، إضافة إلى إدخال الإسعاف الجوي منذ عام 2004م.
العمل التطوعي والتوعية
وأكد أن التطوع يمثل ركيزة أساسية، مستعرضًا تجربة التوعية برقم الإسعاف التي رفعت نسبة المعرفة المجتمعية به من أقل من 4% إلى أكثر من 90%.
الإغاثة الخارجية ودور المملكة
وتطرق إلى الإغاثات الخارجية في أفغانستان وكوسوفو ودارفور، مؤكدًا الدور الريادي للمملكة، وتنظيم العمل الإغاثي اليوم تحت مظلة مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية.
كما عُرف الدكتور السويلم بحساسيته العالية في الدفاع عن دينه، ووطنه، وقيمه، وحقوق الناس، وهي سمة رافقته منذ شبابه المبكر، وبرزت حتى خلال دراسته للطب في ألمانيا، حيث عُرف بمواقفه المبدئية، وشخصيته المتزنة، وقدرته على الجمع بين الانفتاح والاعتزاز بالهوية.
وقد عبّر عدد من الأطباء والأكاديميين والمثقفين عن تقديرهم لمسيرته وسيرته، مؤكدين أن رحيله يمثل خسارة لشخصية تركت أثرًا ممتدًا في الإنسان والمؤسسة والعمل العام.
رحم الله الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السويلم، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عمّا قدّم لوطنه ومجتمعه خير الجزاء، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان.



