احتضنت ضحوية الشيخ حمد الجاسرصباحية ثقافية علمية، قدّم فيها الدكتور عصام بن ناهض الشريف الهجاري محاضرة بعنوان «لمحات من تدوين تاريخ المدينة المنورة ومعالمها»، الجزء ضمن سلسلة محاضرات وندوات وأبحاث ( نحن بخير ما دمنا في طيبة الطيبة ) التي اطلقها المحاضر الهجازي.
وقد شهدت المحاضرة حضور نخبة من أصحاب المعالي والسعادة ومن الأكاديميين والمؤرخين والباحثين في التاريخ والآثار، في لقاء اتسم بالعمق المعرفي واتساع النقاش العلمي.
وافتتح الدكتور الهجاري حديثه بتأصيل العلاقة الخاصة التي ربطت النبي ﷺ بالمدينة المنورة منذ هجرته الشريفة اليها، والإرهاصات التي سبقتها، مؤكدًا أن هذا الارتباط شكّل الأساس الروحي والتاريخي لمكانة المدينة، وأن النصوص النبوية أسست لحبٍ متبادل بين النبي صلى الله عليه وسلم ومدينته المباركة في أطهر علاقة حب عرفت في الكون والذي كان ثمرته بركتها وخيريتها على التأبيد والذي أنعكس على تدوين تاريخها وعمرانها ودورها الحضاري باعتبار أن المدينة أصبحت عبر التاريخ جامعة معارف متنوعة ومتعددة
كما ذكر جملة من مشاهد الشوق والحب للمدينة بدءاً بشوق وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لها وعرض أن أول هذه المشاهد شوقه صلى الله عليه وسلم للمدينة رغم أنه كان سبب بركتها فكان إذا خرج عنها اشتاق إليها كما في حديث أنس رضي الله عنه عند البخاري كما أشار إلى مشاهد معاصرة عايشها قبل المحاضرة بأيام لبعض من كان يحركهم الشوق إلي المدينة وكيف أنهم من حبها هاجروا أليها في يوم وليلة فبارك الله انتقالهم بشرفهم في خدمتها في أهم مرافقها وصروحها.
وبيّن المحاضر أن تعدد تسميات المدينة، من طيبة وطابة إلى المنوّرة والنبوية كلها مسميات عرفية جرى عليها العمل مستنداً إلى مقالة مهمة نشرت قديماً كتبها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز تؤكد جريان العرف بتسميتها بالمنورة وأن ذلك التعدد في اسمائها، هو دليل لشرفها ورفعتها، ولا ينبغي تحميله جدلًا اصطلاحيًا خارج سياقه العلمي.
مدارس التدوين التاريخي
وتناول المحاضر تطور تدوين تاريخ المدينة المنورة، مستعرضًا المراحل الكبرى التي مر بها هذا العلم، بدءًا من الكتابات المبكرة المرتبطة بالسيرة والمغازي، وصولًا إلى نشوء فن وعلم مستقل بتدوين تاريخ المدينة بدء في نهاية القرن الثاني والقرن الثالث الهجري حيث ظهرت عدة مؤلفات لعدد من العلماء تحمل عنواناً واحداً باسم «أخبار المدينة»، الذي مثّل – بحسب الهجاري – نواة مدرسة تاريخية متكاملة في التأليف عن المدينة، اعتمد عليها من جاء بعدهم من المؤرخين في مرحلة وصفها بالاستقرار المنهجي في تدوين تاريخ المدينة.
وتوقف عند أبرز المصنفات التي أسست لهذا الاتجاه، مؤكدًا أن هذه الكتب شكّلت مرجعًا رئيسًا لكبار مؤرخي المدينة في العصور اللاحقة، وأسهمت في ضبط معالمها وأخبارها وسير أعلامها.
السمهودي ذروة التأليف المديني
وأبرز الدكتور الهجاري القيمة العلمية لعمل الإمام نور الدين علي بن عبد الله السمهودي، معتبرًا أن كتابه «وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى» يمثّل ذروة ما كُتب في تاريخ المدينة المنورة، من حيث الجمع بين الرواية، والتحقيق، والتطبيق الميداني، وتتبع المواضع والمعالم النبوية بدقة علمية لافتة.
إسهامات حمد الجاسر
كما أشار إلى الدور الريادي لشيخ المؤرخين حمد الجاسر في خدمة تاريخ المدينة المنورة، تحقيقًا ونشرًا وبحثًا، مؤكدًا أن إسهاماته فتحت آفاقًا جديدة لدراسة تاريخ المدينة، وأعادت إحياء مصادر ظلت مهملة أو غير متداولة، إلى جانب إشرافه العلمي على عدد من أهم الطبعات الحديثة لكتب تاريخ المدينة.
العهد السعودي وتحولات المدينة
وتطرق المحاضر إلى التحول الذي شهدته المدينة المنورة في العهد السعودي، مشيرًا إلى أن هذه المرحلة اتسمت بوجود اتجاهين في العناية بتاريخ المدينة الأول منهج تاريخ عملي بدء من الملك عبدالعزيز مستعرضاً أبرز مواقفه في زيارته للمدينة الأربعة تمثل في تنظيم شؤون المدينة، والعناية بالمسجد النبوي ومعالمه،
وتأسيس الملك عبدالعزيز لمبداء قيمي بأن يبقى كل قديم على قدمه والاتجاه الثاني منهج تاريخ علمي دوّن هذه التحولات عبر الدراسات والوثائق والمؤلفات المتخصصة.
كما نوه المحاضر للجهود الكبيرة التي بذلت من سمو الأمير فيصل بن سلمان المستشار الخاص لخادم الحرمين الشريفين ابان في فترة إمارته للمدينة وما حصل من حراك ومشاريع لإحياء هوية المدينة المنورة التاريخية والحضارية وجهود الأمير سلمان بن سلطان أمير منطقة المدينة في استكمال ذلك ومنها مشروع على خطاه.
وغيرها من جهودهما المباركة.
وذكر المحاضر جملة من مؤرخي المدينة في هذه المرحلة من أهمهم السيد عبيد مدني والشيخ حمد الجاسر والإستاذ محمد صالح البليهشي.
الآثار والنقوش بوصفها مصادر تاريخية
وفي محور لافت، أكد الدكتور الهجاري أهمية الآثار والنقوش الصخرية في قراءة تاريخ المدينة المنورة ومحيطها، بوصفها مصدرًا تاريخيًا مكمّلًا للنصوص المكتوبة، مثنيًا على جهود الباحثين الميدانيين الذين أسهموا في إبراز هذا الجانب، وإعادة الاعتبار للتاريخ غير المدون.
نقاش علمي
وشهدت الجلسة مداخلات علمية ثرية ناقشت إشكالية الفجوات في تدوين تاريخ المدينة المنورة في بعض الحقب، وتأثير الصراعات السياسية على حركة التأليف، إضافة إلى سؤال الموازنة بين إحياء الآثار الإسلامية والضوابط الشرعية، حيث أجمع المتداخلون على أن التوعية العلمية والسرد الرصين يمثلان مدخلًا متوازنًا لتحقيق هذا الهدف.

واختُتمت الصباحية بالتأكيد على أن تاريخ المدينة المنورة علم متجدد لا يستنفد بمحاضرة أو كتاب، وأن الجمع بين النص التاريخي، والوثيقة، والعمل الميداني، هو السبيل الأمثل لبناء سردية علمية متوازنة تحفظ للمدينة المنورة مكانتها الدينية والحضارية، وتفتح آفاقًا جديدة للبحث والدراسة




