طباع الإبل.. بين الوداعة والعدوان

يتجلى حضور الإبل في حياة الإنسان في شخصيتها الفريدة، وطبيعتها النفسية، مما يميزها بشكل ملحوظ عن باقي المخلوقات، إذ يعكس التأمل في خلقتها أبعاداً دينية وروحانية، ويعد التعامل معها مصدراً للعبر والدروس القيمة، ويرتبط ركوبها بالفخر والعزة، في حين أن امتلاكها ثروة لا تُقدَر بثمن، بما تضفيه من عجب، ودهشة من خلال طباعها المتنوعة، وشموخها وأصالتها باختلاف أنواعها، وهو ما دفع بوزارة الثقافة السعودية إلى المبادرة بتسمية العام الحالي 2024 بعام الإبل، وإقراره من مجلس الوزراء، تأصيلاً لمكانة الإبل الراسخة، باعتبارها موروثاً ثقافياً يعكس الهوية السعودية.

الرحمة

يظهر سلوك الإبل تفرُّداً نادراً تفتقر إليه معظم الحيوانات، فمن يقضي وقتاً معها، ويفهم حياتها يكتشف جوانب من العجائب، التي تفوق التصوُّر، ففي سطور التراث العربي تتجلى طباع الإبل في “الوفاء والحنان” كصفة بارزة.

فعندما تدر الناقة حليبها لحوارها تظهر ملامح العطف نحو صاحبها، فإذا أقبل عليها والتمست مساعدته قامت بسخاء بدر الحليب له، كعلامة على الرابط الفطري والحب غير المشروط الذي يصل إلى تسويته بجنينها.

وفي تجليات الإبل تظهر شواهد عديدة تسرد قصص مدهشة بمدى اندفاعها لاستجابة نداء صاحبها حتى وإن كانت بعيدة، وهو ما ذكره مالك الإبل محمد بن شويشان السبيعي، في أحد لقاءاته الصحفية، حيث روى قصته الملهمة مع ناقته التي باعها، حيث ذكر بأنه كان يحضر مسيرة لإبل الشيخ عبد المحسن الراجحي في مزاين أم رقيبة، وهو الشخص الذي اشترى منه الناقة قبل ما يقارب سبعة أشهر، وخلال حديثه مع أحد الأصدقاء سمعت الناقة صوته، وبدأت تعبر من بين السيارات التي كانت تفصل بينهم حتى توقفت عنده.

وأكد في الحوار الصحفي بأن الناقة بعد أن توقفت عنده، قامت بلف رقبتها على جسده وهو ما جعله يرفع يده مستسلماً لاحتضانها.

 

 

الانتقام

بالرغم من تلك المشاعر الجياشة للحب والوفاء والإخلاص الذي تتمتع به الإبل، إلا أنها قد تظهر طباعاً تأخذ منعطفاً غير متوقع نحو الحقد والانتقام، حيث إنها لا تنسى من أساء معاملتها حتى بعد مرور سنوات طويلة.

يُعزى حدوث الحقد إلى أسباب مثل، سوء المعاملة والتعرض المتكرر بقسوة، أو التغيير الطارئ في البيئة، والعادات الحياتية، فتتحوّل الإبل من حالتها الطبيعية إلى حالة هستيرية تفقد فيها توازنها، وتنتقم بشدة، وهو ما جعل العرب يقولون في أمثالهم وحكمهم ” فلا غدر إلا غدر البحر، ولا حقد إلا حقد الجمل”، وفي الحديث الدارج يقال: “فلان أحقد من الجمل، وتجلى ذلك الحقد الجارف في الكثير من القصائد، ومنها ما خطه الشاعر إبراهيم بن جعيثن في هذا السياق:

وعاشرها عدوك ما يودك

ترى قلبه عليك إله اشتغالي

ولو يعطيك لين من لسانه

فهو مثل الحقود من الجمالي

 

الطاعة

ولتجنب طباع الحقد في سلوك الإبل، ينبغي التفاعل معها بأسلوب ودود ولين، فإذا تمت تربيتها بعناية، فإن سلوكها سيكون إيجابيًا، حيث إن الإبل تتميز بطبيعة الانقياد والطاعة، إذ تبرز قدرتها الفائقة على التعلم والتكيف بسرعة مع البيئة المحيطة بها.

العدوان

ورغم الولاء الاستثنائي الذي تظهره الإبل، فإنها تكتنف صفات غامضة وسريعة التقلب، حيث تُظهر غضبها بشكل ملحوظ من خلال الهدر والزمجرة والركل، وقد تبرز ظاهرة “حرون الإبل”، حيث تمتنع الإبل عن الحركة، وتظل عازمة في وضع ثابت لفترة طويلة، كما أنها ترفض الأكل والشرب، وتعكس هذه الظاهرة تعبيراًعن الاستياء نتيجة المعاملة القاسية التي يتلقاها الحيوان من قبل المربي.

وفي موسم التزاوج، يتصف سلوك الإبل – خاصة الذكور- بالهيجان والعدوانية، حيث تصبح شرسة وخطرة، قادرة على مهاجمة البشر والحيوانات الأخرى.

 

الذاكرة

تتسم الإبل بذاكرة حادة، حيث تحتفظ بتفاصيل المسارات في جوف الصحراء،وتحت ظلمات الليل، ورغم مرور الزمن وازدياد المسافات بينها وبين أوطانها، فإنها تبقى محفورة في ذاكرتها، تتذكر تضاريس الأرض، ومصادر المياه.

وتعد الإبل، من أقوى الحيوانات ذاكرة على الإطلاق، حيث تقوم بتوجيه القوافل،وتنقل المسؤوليات إليها، ويظهر هذا التفوق في ذاكرة الإبل بشكلٍ خاص في قول الشاعر علي بن بلال اليامي:

البل عطايا الله جزيلات العطا

قطاعة الفرجة طويلات الخطا

ومع ظلام الليل أدل من القطا

سفن الصحاري والذكاء بأذهانها