الأرقام في المسافات والزمن ثابتة، ومحمية من الاختلال وعن التغيير، بينما نفسها الأرقام تحظى بالمرونة وتعطي نتائج مختلفة عطفاً على السرعة، الأمر الذي استثمرته “الجوائز الثقافية الوطنية” ببراعة في أنها ومن خلال مبادرة واحدة قطعت أشواطاً، واختصرت محطات وحققت القفزة، مسارات تشعبت وتنوعت لتشمل كافة القطاعات الثقافية بمختلف قوالبها الإبداعية والفنية، معززة بذلك من الحماسة، وحيوية دورة العمل من البداية وحتى المنتج النهائي، متضمنة بذلك 14 جائزة ثقافية موزعة بين: شخصية العام الثقافية، والثقافة للشباب، وجائزة الأدب، وجائزة النشر، وجائزة الترجمة، وجائزة الأزياء، وجائزة الأفلام، وجائزة التراث الوطني، وجائزة الموسيقى، وجائزة الفنون البصرية، وجائزة المسرح والفنون الأدائية، وجائزة فنون الطهي، وجائزة فنون العمارة والتصميم، وجائزة المؤسسات الثقافية المنقسمة إلى ثلاثة مسارات وهي: مسار المؤسسات الثقافية الكبيرة والناشئة من القطاع الحكومي، ومسار المؤسسات الثقافية الكبيرة والناشئة من القطاع الخاص، ومسار المؤسسات الثقافية غير الربحية.
وبتوازن بين الإبداع والمبدع، وجهت “الجوائز الثقافية الوطنية” اهتمامها للأفراد والجهات الحكومية والخاصة والقطاع غير الربحي، ليتحقق النماء، وتتصاعد معايير الجودة، وتتشكّل الوفرة، ومع أنها تعتمد أسلوب “الخطاب للجميع” لكنها تبتكر النداء الخاص، تمس كل فرد وحرفة مثل نور يصل ولا يبخس حصة أحد، مشعة لأنها ترى الثقافة حقلاً يجب أن تكبر وتزهر كل شجرة فيه، لتكون بذلك فاعلة ومؤثّرة على كل قطاع ثقافي وكل مبدع، جالبة المنافسة بين المبدعين، وكذلك بين مختلف المجالات والأشكال الثقافية، نقلة نوعية من الاهتمام والتعاطي، واستهلاك الثقافة إلى مرحلة جديدة في التفاعل مع الثقافة وإنتاجها، واصلة بذلك إلى غاية ثمينة، وإلى واحد من أهداف وزارة الثقافة الأساسية في جعل “الثقافة نمط حياة”.
ومع أنه من بدهيات الحياة أن الأشياء تبدأ صغيرة ثم تكبر، لكن “الجوائز الثقافية الوطنية” انطلقت وهي تخطط للقمة والصدارة، لتفرض نموذجاً متعدد الاتجاهات، ويخدم ستة أهداف، وهي: أولاً: الاحتفاء والتكريم لأهم الإنجازات الثقافية الوطنية التي يتم تحقيقها في كل عام، ثانياً: تشجيع وتحفيز الإنتاج الثقافي من خلال الدعم والتمكين المادي وغير المادي، ثالثاً: تسليط الضوء على المواهب الثقافية الوطنية، وإبراز إنتاجها الثقافي محلياً ودولياً، رابعاً: تشجيع المشاركة المجتمعية بالتفاعل مع الساحة الثقافية من خلال متابعة مراحل الجوائز الثقافية، خامساً: تكريم روّاد القطاع الثقافي، وتقدير جهودهم المبذولة في خدمة قطاع الثقافة عبر مختلف الأجيال، سادساً: تحفيز القطاع الخاص والمؤسسات غير الربحية لتبني وتطوير المواهب الثقافية من خلال برامج خاصة.
وفي حين أن المتوقع لاحقاً يستند في الأصل ولو بشكل نسبي إلى ما يحدث حالياً، فإن شكل الثقافة السعودية موعود بالغزارة والوفرة، يتبارك كل يوم وتزداد جدية واحترافية ممارسته، مشجعة وزارة الثقافة بطريقة مباشرة عبر مختلف المبادرات والبرامج على التخصص، وإتقان الحرفة واكتساب الخبرة والتكسب من الموهبة، وبطريقة غير مباشرة من خلال “الجوائز الثقافية الوطنية” تحديداً على ضرورة الطموح بالتميز وتجاوز التوقعات، مانحة الفرصة للمزج بين الأصالة والحداثة، وكذلك الاستفادة من التجارب السابقة، وحرية الإضافة والابتكار، معترفة بالفضل لمن سبق، والجدارة لمن واصل المسيرة، إبداع في الاحتفاء، ودليل على قدرة الجائزة في أن تكون مصدر شغف وطاقة ودافعية تنبع من داخل المبدع، وتستلهم من كل ما يحيط به، مبرهنة أن كل خطوة وحركة وتفصيلة صغيرة هي بذرة وقطرة وفكرة تؤثّر إيجابياً على المشهد الثقافي، وقبل ذلك على الإنسان والمكان باعتبارهما الحياة.




