تزخر بلادنا الحبيبة بآثار وشواهد وكنوز لا حصر لها؛ فقد كانت موطنًا لكثير من الحضارات على مر التاريخ.. ومن هذه الآثاء الحية، والقائمة بشموخ حتى الآن، قلعة مارد الأثرية في البلدة القديمة بمحافظة دومة الجندل، التي تطل على المدينة من أعلى ربوة؛ إذ يبلغ ارتفاعها 620 مترًا فوق سطح البحر، وتُعدُّ من المواقع الأثرية والتاريخية البارزة في منطقة الجوف التي تشهد نقلة نوعية في المجال السياحي نظرًا لما تتمتع به من مقومات تاريخية وأثرية وطبيعية.
ويرجع أقدم ذكر لقلعة مارد إلى القرن الثالث الميلادي، عندما غزت ملكة تدمر “زنوبيا” دومة الجندل وتيماء، ولم تستطع اقتحام القلعة؛ فقالت مقولتها المشهورة التي أصبحت مثلاً: “تمرد مارد وعز الأبلق”، دلالة على مدى تحصين هذه القلعة وصمودها.
وقد ورد في الأثر أن الرسول صلى الله عليه وسلم أرسل الصحابي خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى أكيدر بن عبدالملك الكندي صاحب دومة الجندل، وقال: “إنك ستجده يصيد البقر”، فمضى خالد حتى إذا كان من حصنه “مارد” بمرأى العين في ليلة مقمرة أقام، وجاءت بقر الوحش حتى حكت قرونها بباب القصر؛ فخرج أكيدر في جماعة من خاصته، فلقيتهم خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأسر أكيدر؛ وفُتحت دومة الجندل.
وتتميز قلعة مارد بأبراجها الأربعة مخروطية الشكل، وتحتوي على مبانٍ من أنماط عمرانية وحِقَب زمنية مختلفة، بداية من الفترة النبطية، مرورًا بفترة ما بعد ظهور الإسلام حتى فترة متأخرة، تعود إلى ما قبل 80 عامًا من الآن. فيما يتكون المبنى الرئيسي للقلعة من طابقين، السفلي من الحجارة، والعلوي من الطين. وتحتوي القلعة على بئرين، وغُرف للحرس والرماية والمراقبة.
ويحيط بالقلعة سور به فتحات للرصد والمراقبة، وله مدخلان، أحدهما من جهة الجنوب، والآخر من الشمال. كما عُثر داخل القلعة على مقتنيات أثرية، تعود إلى الفترة النبطية؛ إذ أسفرت أعمال التنقيب سنة 1976م عن العثور على خزفيات نبطية ورومانية، تعود للقرنَيْن الأول والثاني بعد الميلاد؛ وهو ما يدل على التاريخ الغني لهذه القلعة، ومواكبتها حضارات وعهودًا متعددة.




