كيسنجر: الوضع الجيوسياسي عالميا سيتغير بعد حرب أوكرانيا

قال وزير الخارجية الأميركي الأسبق ومستشار الأمن القومي، هنري كيسنجر، إنه عندما انفتحت الولايات المتحدة على الصين، كانت روسيا بمثابة العدو الرئيس، و”كانت وجهة نظرنا أنه من غير الحكمة، عندما يكون لديك عدوّان، أن تعاملهما على قدم المساواة تماماً”.
وأضاف كيسنجر، في حوار مع صحيفة “فاينانشيال تايمز”، أن التوترات التي تطورت بشكل مستقل بين روسيا والصين أدت إلى الانفتاح، “فلم يستطع رئيس الاتحاد السوفياتي الأسبق ليونيد بريجنيف تصور أن الصين والولايات المتحدة يمكن أن تجتمعا”، لكن ماو، على الرغم من كل عدائه الأيديولوجي، كان مستعداً لبدء المحادثات، مؤكداً، “لقد تكون الآن في التحالف الصيني – الروسي، وهو ضد المصالح الخاصة، لكنها لا تبدو لي كما لو كانت علاقة دائمة في جوهرها”.
وكان كيسنجر المنظم والمنسق للاتفاقية الصينية – الأميركية، التي كانت بمثابة تحول كبير في الحرب الباردة، حيث إن عام 2022 يوافق احتفال أميركا بالذكرى الخمسين لزيارة نيكسون للصين وتوقيع بيان شنغهاي. وبدا الأمر وكأن الأمور قد تغيرت 180 درجة، لكن عادت العلاقة الوثيقة للغاية بين روسيا والصين.
ويرى كيسنجر أن الوضع الجيوسياسي على مستوى العالم سيخضع لتغييرات كبيرة بعد انتهاء حرب أوكرانيا، وأنه ليس من الطبيعي أن يكون للصين وروسيا مصالح متطابقة في جميع المشكلات المتوقعة، مشيراً إلى أنه لا يعتقد “أنه يمكننا توليد خلافات محتملة، لكن أعتقد أن الظروف ستخلقها”.
وأوضح أنه بعد حرب أوكرانيا، سيتعين على روسيا إعادة تقييم علاقتها بأوروبا، على الأقل، وموقفها العام تجاه “الناتو”، مضيفاً، “أنه من غير الحكمة اتخاذ موقف معاد لخصمين بطريقة تقربهما من بعضهما، وبمجرد أن نتبنى هذا المبدأ في علاقاتنا مع أوروبا، وفي مناقشاتنا الداخلية، أعتقد أن التاريخ سيوفر فرصاً يمكننا من خلالها تطبيق نهجنا التفاضلي”. وأضاف قائلاً، “هذا لا يعني أن أياً منهما سيصبح صديقاً حميماً للغرب، لكنه يعني ببساطة أننا نترك الخيار مفتوحاً لامتلاك نهج مختلف في قضايا معينة عند ظهورها. وفي الفترة المقبلة، يجب ألا نضع روسيا والصين معاً كعنصر متكامل”.

وعن إدارة بايدن، التي تعمل على تصوير التحدي الجيوسياسي الكبير على أنه “صراع الديمقراطية مقابل الاستبداد”، شدد كيسنجر على ضرورة إدراك الاختلافات الموجودة في الأيديولوجيا والتفسير. وقال، “يجب أن نستخدم هذا الإدراك لنطبقه في تحليلنا لأهمية القضايا عند ظهورها، بدلاً من جعلها قضية المواجهة الرئيسة، ما لم نكن مستعدين لجعل تغيير النظام الهدف الرئيس لسياستنا. أعتقد أنه ونظراً لتطور التكنولوجيا، والقدرة التدميرية الهائلة للأسلحة الموجودة الآن، وقد يتم فرض السعي لتغيير النظام علينا بسبب عداء الآخرين، ولكن يجب علينا تجنب توليده بطريقتنا الخاصة بالتعاطي مع الأمور”.

                                                                      إدارة المواجهة

كيسنجر قال إن العالم الآن في مواجهة تقنيات يمكن أن تؤدي فيها سرعة التبادل ودقة الاختراعات إلى مستويات كارثية لم يكن تخيُّلها ممكناً. والغريب في الوضع الحالي هو أن الأسلحة تتكاثر في الجانبين ويزداد تطورها كل عام.

وأشار إلى أنه “تقريباً لا توجد مناقشة دولية حول ما يمكن أن يحدث إذا تم استخدام الأسلحة فعلياً. ندائي بشكل عام، بغض النظر عن الجانب الذي تنتمي إليه، هو أن نفهم أننا نعيش الآن في عصر جديد تماماً، وقد تمادينا في إهمال هذا الجانب، لكن مع انتشار التكنولوجيا في جميع أنحاء العالم، ستحتاج الدبلوماسية والحرب، بطبيعة الحال، إلى محتوى مختلف، وسيكون ذلك تحدياً”.
   وأشار كيسنجر إلى أنه كان يقابل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كطالب في الشؤون الدولية، مرة واحدة في السنة لمدة 15 عاماً تقريباً، لإجراء مناقشات استراتيجية أكاديمية بحتة. وقال، “ظننت أن معتقداته الأساسية كانت نوعاً من الإيمان الصوفي بالتاريخ الروسي، وأنه شعر بالإهانة، بهذا المعنى، ليس بسبب أي شيء محدد فعلناه في البداية، ولكن بسبب هذه الفجوة الهائلة التي تكونت مع أوروبا والشرق”.
وأوضح وزير الخارجية الأميركي الأسبق، “لقد شعر بوتين بالإهانة والخطر لأن روسيا كانت مهددة بأن تتماهى هذه المنطقة بأكملها في (الناتو)، ليس هذا عذراً ولم أكن لأتوقع هجوماً بحجم الاستيلاء على دولة معترف بها”.
ويعتقد كيسنجر، أن “بوتين أخطأ في تقدير الموقف الذي واجهه دولياً، ومن الواضح أنه أخطأ في تقدير قدرات روسيا على الاستمرار في مثل هذا المشروع الكبير. وعندما يحين وقت التسوية، نحتاج جميعاً إلى أخذ ذلك في الاعتبار، وأننا لن نعود إلى العلاقة السابقة، ولكن إلى موقف مختلف مع روسيا بسبب هذا، وليس لأننا نطالب بهذا الموقف، ولكن لأنهم أفرزوه”.
ويرى كيسنجر أنه “في كل هذه الأزمات، على المرء أن يحاول فهم ماهية الخط الأحمر الداخلي للطرف المقابل. السؤال البديهي هو إلى متى سيستمر هذا التصعيد؟ وما المجال المتاح لمزيد من التصعيد؟ أم أنه وصل إلى الحد الأقصى لقدرته، وعليه أن يقرر في أي نقطة سيؤدي تصعيد الحرب إلى إجهاد مجتمعه إلى درجة ستحد من أهليته لإدارة السياسة الدولية كقوة عظمى في المستقبل”، مضيفاً، “لا يمكنني تقدير متى يصل إلى هذه النقطة. عندما يتم بلوغ هذه النقطة، هل سيصعد بالتحول إلى فئة من الأسلحة لم يتم استخدامها مطلقاً خلال 70 عاماً من وجودها؟ إذا تم تجاوز هذا الخط، فسيكون ذلك حدثاً بالغ الأهمية، لأننا لم نختبر على مستوى العالم ما ستكون عليه الخطوط الفاصلة التالية. الشيء الوحيد الذي لا يمكننا فعله في رأيي هو تقبل الوضع فحسب”.
وعن الصين ومقابلاته مع رئيسها، شي جينبينغ، يظن كيسنجر أن “أي زعيم صيني الآن سيفكر في كيفية تجنب الوقوع في الموقف الذي أدخل بوتين نفسه فيه، وكيف يتخذ موقفاً بحيث لا ينقلب جزء كبير من العالم ضده في أي أزمة قد تستجد”.