المفتاحة.. واجهة أبها وواحتها التي أثمرت ثقافة وفنونا

إلى عقود قليلة كانت تمثل” واحة أبها” لكثرة بساتينها وغزارة مياهها وعراقة تاريخها.
هي “المفتاحة” ذلك الحي الذي يقع على ضفة وادي” أبها” الجنوبية جامعاً بين التراث العريق ومظاهر الثقافة والفنون الحديثة.
وأجمعت معظم المصادر التاريخية على أن الظهور الأبرز للحي ودوره المحوري في أبها ومنطقة عسير بشكل أوسع، بدأ عام 1242 هـ، وذلك في عهد الأمير علي بن مجثل أحد أمراء عسير حينها، الذي بنى فيها قلعة حصينة كانت تسمى قلعة “المفتاحة”.
ويصف حسين بن هبيش ـ أحد أهالي الحي ـ والمهتمين بتاريخ أبها في حديثه لـ”واس”، المكان بأنه كان أشبه بـ”الواحة”، حيث كان يشق الحي مجرى مائي يطلق عليه “ري الحياض”، يأتي من أعلى وادي أبها ويمر من الجهة الشمالية للمفتاحة ثم تتوزع منه تفرعات تصل إلى كل مزرعة في ” المفتاحة”.
وتميزت أحياء أبها القديمة ومنها “المفتاحة” بالمباني المتلاصقة على امتداد الممرات الداخلية والخارجية، التي تم بناؤها بالأساليب التقليدية للبناء في مدينة أبها، حيث الفتحات الصغيرة والحوائط السميكة واستخدام (الرقف) لحماية الحوائط الطينية من الأمطار وتوفير الظلال على واجهة المبنى، كما يضم الحي العديد من القصور الأثرية ــ تم مؤخرا ترميم أحدها من قبل وزارة الثقافة ـ إضافة إلى الآبار التي اشتهرت قديما.
وحصر المهتم بتاريخ أبها بندر بن عبدالله آل مفرح عدداً من هذه الآبار حيث ذكر منها” البئر الكبيرة” و”عتود” و”المنية” و “الخُربي” و”خُرصة” و”مصبح “و “مستورة”، مشيراً إلى أن هذه الآبار كانت تسقي المزارع بطريقة “النُوب” وهو تحديد يوم معين لكل شخص من أصحاب المزارع لتوريد المياه إلى مزرعته، وعادة ما يكون ذلك ضمن وثائق مكتوبة.
واشتهر الحي منذ مئات السنين بإنتاج الفواكه والخضروات المتنوعة مثل: العنب والفركس والتفاح، وتميز بموقعه القريب من إمارة المنطقة والأحياء الرئيسة في أبها، مما جعله محط الأنظار منذ عقود طويلة.
ويشير “ابن هبيش” إلى أن حي “المفتاحة” اشتهر قديماً بصناعة السيوف، مبيناً أن من أشهر من صنعها شخص يدعى “مفتاح” كان يقوم بجلب صخور رسوبية تحتوي على أكاسيد الحديد من جبال السودة ( 20 كيلو متراً شمال غرب أبها) ثم يعالج هذه الصخور بطرق تقليدية لاستخراج مادة الحديد منها لصناعة السيوف والجنابي وأدوات الزراعة.
ومنذ عام 1410 هـ، بدأ التحول الأكبر في البعد الحضاري والثقافي للحي، وذلك بتدشين صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل أمير منطقة عسير – حينها – مركز الملك فهد الثقافي الذي تم إنشاؤه بمساهمات مالية من أهالي وتجار وأعيان منطقة عسير، إضافة إلى استحداث موقع بجواره لسوق الثلاثاء الشعبي.
ويضم المركز الذي مر بعدة تحولات كان آخرها انضمامه تحت إدارة وزارة الثقافة، أحد أكبر المسارح المغطاة في الشرق الأوسط وهو مسرح ” طلاح مداح” الذي يتسع لأكثر من 3500 شخص، إضافة إلى مراسم تشكيلية وصالات للمعارض الفنية، وقد احتضن المركز خلال ثلاثة عقود مئات الفعاليات الثقافية واستضاف الكثير من المبدعين والمثقفين من مختلف دول العالم.
ويضم الحي سوق الثلاثاء الشعبي الذي يعد من أقدم الأسواق الشعبية في منطقة عسير، حيث كان ملتقى أسبوعياً لأهالي منطقة عسير يتم خلاله توفير السلع الغذائية والاستهلاكية، إضافة إلى أنه كان قناة اجتماعية وإعلامية يتم خلاله حل الكثير من القضايا الاجتماعية ونشر التعليمات والأخبار الحكومية.
وفي حديثه لـ”واس” يؤكد بندر آل مفرح أهمية المرحلة التطويرية المقبلة لقرية المفتاحة قائلا” نحن نترقب نقلة جديدة بعد ضم المفتاحة تحت إدارة وزارة الثقافة، خاصة في ظل مبادرات إشراك الشباب التي ظهر بعض ملامح نجاحها في “شارع الفن ” وإنشاء موقع للتصوير الفوتوغرافي وتخصيص مواقع لممارسة الرسم في الهواء الطلق.