الاهتمام بالتراث والاعتزاز به قصة نجاح استثنائية يفخر بها الوطن

شهدت المملكة خلال السنوات الأخيرة الماضية تحولا نوعيا نحو الاهتمام بالتراث والعناية به.

ويمثل التحول الذي شهدته المملكة مسؤولين ومجتمعات وأفرادا تجاه الاهتمام بالتراث والاعتزاز به والمحافظة عليه، يمثل قصة نجاح استثنائية يفخر بها كل مواطن.

فقد أصبح التراث قضية وطنية يعمل الجميع على خدمتها، وأصبحت إزالة المواقع التراثية أو تشويهها أو الازدراء بها شيئا من الماضي، حلت محله جهودا مكثفة لحماية التراث وتنميته والاستثمار فيه، وهو ما يمثل نقلة نوعية كبرى حققتها الدولة بشراكة ومساندة من القطاعات الحكومية والجمعيات والمؤسسات المتخصصة، حيث أصبح من اللافت تجاوز المعوقات والنظرة التي تتوجس من الآثار وتحولها إلى نظرة اعتزاز.

ويتضح ارتفاع وعي المجتمع بالتراث بإسهام أعداد كبيرة من المواطنين في ترميم مبانيهم التراثية، واهتمام معظم المواطنين بحماية المواقع الأثرية والتراثية وإبلاغ الجهات المختصة عنها للإسهام في حمايتها، وكذلك الإبلاغ عن التعديات عليها, وتسليم كثير من المواطنين ما لديهم من قطع أثرية للدولة للمحافظة عليها وعرضها في المتاحف.

كما أن من ملامح تطور وعي المواطنين تجاه التراث زيادة الإقبال على زيارة المواقع التراثية والاستثمار فيها وإقامة الفعاليات السياحية والثقافية في ساحاتها ومبانيها.

ويعرف التراث الوطني بأنه كل ما خلفه النشاط الإنساني في مكان ما خلال حقبة ما من الزمن، وهو بهذا المفهوم يشمل الآثار والتراث والحرف والصناعات اليدوية، وإن كانت «الآثار» تنحصر عادةً في مواقع أو مبانٍ أو قطع، أو غير ذلك مما نتج عن النشاط الإنساني لفترة ماضية قديمة جداً، فإن التراث الوطني، يتسع ليشمل إلى جانب الآثار جوانب أخرى من الأنشطة الإنسانية التي تتفاوت فتراتها الزمنية كالتراث العمراني الذي يُعد من الموروثات الحديثة إذا ما تمت مقارنته بالآثار التي قد تعود إلى مئات وآلاف السنين، ولكنه -أي التراث العمراني- يظل أيضًا نشاطاً إنسانياً قديماً بالنسبة للأجيال الجديدة التي لم تعاصره، وهو بأنماطه المختلفة يعبر عن ثقافة التشييد العمراني ومدى اختلافها أو تمايزها أو تباينها من منطقة لأخرى على خريطة المملكة.

وكذلك الأمر بالنسبة للنشاط الإنساني المتمثل في الحرف والصناعات التقليدية ونشأتها، ومكوناتها ومنهجياتها وقدرتها على استيعاب واستلهام المتطلبات البيئية التي تعكس الحاجة إليها في إطار المفهوم التراثي المادي المعبر عن حاجة البيئة من جهة، والمعبر عن قيم المجتمع المحلي من جهة أخرى.

وإلى جانب (التراث المادي) بعناصره وروافده ومكوناته، يتسع مفهوم التراث الوطني – أيضاً – ليشمل التراث (غير المادي)، كالفنون التراثية والشعبية والشعرية والعرضة والأهازيج والعادات والتقاليد وغيرها، ولكن هذا التراث (غير المادي) لا يدخل ضمن اختصاصات الهيئة، لكونه يتبع وزارة الثقافة والإعلام وجمعيات الثقافة والفنون.

وأسهمت جهود الدولة في خدمة التراث الوطني، وخلال تلك الفترة الوجيزة في توعية المجتمع به، وبأهمية المحافظة عليه، وتحفيز الباحثين والدارسين والأقسام العلمية في الجامعات للقيام بأدوارها في التعريف بآثار المملكة وتراثها الوطني، وكان لذلك أثر كبير في زيادة الطلب على تخصص الآثار والمتاحف والتراث العمراني في بعض الجامعات السعودية؛ نظراً لوجود سوق عمل رائدة صنعتها الهيئة، وفتحت من خلالها مجالات متعددة لتوظيف الشباب السعوديين.

وتوجت الدولة اهتمامها بالتراث بإنشاء هيئة مستقلة للتراث ضمن الهيئات الجديدة لوزارة الثقافة، وهو يعكس اهتمام الدولة بدعم التراث وتنميته والتركيز على تطوير مشاريعه وبرامجه المختلفة.

وقد أدركت الدولة أن البعد الحضاري للمملكة وقضية الاهتمام بالآثار والتراث الوطني ما زالت غائبة عن ذهنية المواطن السعودي واهتماماته؛ لذلك سعت إلى تبني مبادرة البعد الحضاري من خلال برنامج خادم الحرمين للعناية بالتراث الحضاري والذي يركز على الجوانب التوعوية والتعريفية لأهمية ترسيخ قيمة الآثار والتراث الوطني لدى المواطن، ومن ذلك تبني مشروعات وبرامج تسعى من خلالها إلى تحقيق النقلة المنشودة تجاه معرفة المواطنين بتراثهم الوطني، وتفاعلهم معه، وإدراك أهميته، والاعتزاز بمكوناته، والمبادرة إلى حمايته والحفاظ عليه من العبث أو السرقة أو الهدم والإزالة، ليكون المواطن هو الحامي الأول لآثار بلاده، واطلاق الحملة الإعلامية لتعزيز البعد الحضاري والتي تسعى من خلالها إلى وضع مكتسباتنا الأثرية والتراثية والتاريخية في المكانة التي تستحقها، وتسليط الضوء عليها بما يتلاءم مع قيمتها الاستثنائية، وتعريف الأجيال الناشئة بما تتميز به أرض المملكة من عمق حضاري، حيث تضمنت الحملة برامج ومشروعات موجهة إلى المؤسسات التعليمية، ومنها مشروع تعزيز البعد الحضاري في مناهج التعليم.

وهناك مشروع إنتاج أفلام كرتونية لتعريف الأطفال بمكونات حضارة بلادهم، ومشروع قافلة البعد الحضاري التي ستطوف أرجاء المملكة للتعريف بما تختزنه أرض المملكة من إرث حضاري عميق، ومسابقات المعلومات والرسم والتلوين للمعالم التراثية والأثرية، وتنفيذ ورش العمل المتحفية في المتاحف، وتنظيم زيارات الطلاب الميدانية للمواقع.

وتحتوي الحملة برامج ومشروعات تستهدف التوعية والتعريف للمجتمع المحلي والشركاء.