لبنان.. مأساة بلا نهاية

مقال: أنطون عيسى – كاتب ومعلق سياسي – عن (الجارديان) البريطانية

ترجمة- خالد حامد:

أن تكون لبنانياً يعني أن تتوفر لك القدرة على تحمل المآسي. لبنان ذلك البلد الذي يحب السياح أجواءه وأسلوب حياته ومأكولاته الشهية هو في نفس الوقت مصدر بؤس دائم لسكانه. وأهله يقضون سنواتهم وهم يشعرون بالبؤس داخل وطنهم الحبيب، بالضبط مثل مشاهدة طفل يغرق ويلهث من أجل الهواء.

إن الانفجار المدمر الذي وقع في ميناء بيروت ليس سوى انفجار آخر في قائمة طويلة من المآسي التي يعاني منها الشعب اللبناني وهي قائمة طويلة لدرجة أن بداياتها قد لا تكون واضحة للكثيرين.

من أين بدأ ألم لبنان؟ هل مع الحرب الأهلية في ستينيات القرن التاسع عشر التي خلفت أكثر من 10 آلاف قتيل؟

هل بدأ مع المجاعة الكبرى في الحرب العالمية الأولى التي قضت على ثلث اللبنانيين؟

هل بدأ مع الحرب الأهلية التي دارت رحاها بين عامي 1975 و 1990 وأودت بحياة 150 ألف لبناني، ولا يزال الكثير منهم في مقابر جماعية غير مكتشفة؟

لبنان بلد جبلي صغير لا ينتج سوى القليل جداً، باستثناء شيئين هما: الدمار والمهاجرون. لقد عانى كل جيل لبناني على مدى الـ 160 عامًا الماضية من الصدمات. وخلال نفس الفترة الزمنية، كان الكثيرون يفرون من البؤس الذي يخيم على وطنهم العزيز حيث يعيش أكثر من 10 ملايين شخص من أصل لبناني خارج البلاد التي يبلغ عدد سكانها 5 ملايين نسمة، مما يجعل لبنان إحدى الدول القليلة التي يعيش غالبية سكانها في الخارج.

لقد ترك أسلافنا دمار منتصف القرن التاسع عشر وذهبوا للولايات المتحدة بحثًا عن فرص أفضل. وقبل قرن من الزمان، اتخذ والدي نفس القرار، ولكنه ذهب هذه المرة إلى أستراليا.

كل عائلة لبنانية مهاجرة لديها حكايات حول أسباب هجرتها. لقد عدت إلى بيروت، لأكون الشخص الوحيد من عائلتي المهاجرة الذي يفعل هذا بين عامي 2011 و 2015 . ظن والداي أنني مجنون بالعودة إلى المكان الذي تسبب لهم في الكثير من الألم. ربما كانت سذاجة الشباب أو الشعور المتغطرس الذي لا يقهر هو الذي جعلني أعتقد أن العيش في لبنان مرة أخرى كان ممكناً.

أحدق في أنقاض المباني والجثث المغطاة بالغبار في مقاطع الفيديو بعد انفجار الميناء وأتذكر قصص والديّ في السبعينيات. فقد رأوا الركام والجثث أيضاً خلال الحرب الأهلية. أتذكر قصص أجدادهم عن المجاعة الكبرى. لقد رأوا الجثث مكدسة في الشوارع أيضاً. مأساة اللبنانيين لا تنتهي أبداً. ولكن عندما أنظر إلى القائمة الطويلة من تلك المآسي، أجد أن هناك خيط مشترك يربط بين النقاط الرئيسية.. من انفجار مرفأ بيروت وصولًا إلى ستينيات القرن التاسع عشر: الجناة وانتشار الفساد.

يعاني لبنان اليوم من واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية التي مرت به منذ المجاعة الكبرى قبل قرن، وأصبح ثالث أكثر دول العالم مديونية بعد أن فقدت عملته 80 % من قيمتها هذا العام وارتفع معدل التضخم إلى 90 % في يونيو الماضي.

لا يوجد مسار واضح لكيفية إصلاح لبنان للأضرار. فقد ظلت النخبة الحاكمة منذ شهور عالقة في مفاوضات متعثرة مع صندوق النقد الدولي للحصول على القروض التي هي في أمس الحاجة إليها. وفي حين يصر صندوق النقد الدولي على الإصلاحات، يقاومها بشدة النخبة.

لبنان ليس لديه الأموال لإصلاح الأحياء المدمرة من الانفجار، مما يجعل المساعدات الدولية ضرورية لتزويد اللبنانيين اليائسين بالمأوى والغذاء. يتشاطر المانحون الدوليون واللبنانيون العاديون نفس الشكوك حول وصول أموال المانحين فعليًا إلى المحتاجين.

لقد أعاد انفجار مرفأ بيروت إشعال الغضب بين اللبنانيين الذين أنهكتهم الاحتجاجات والاضطرابات الاقتصادية خلال العام الماضي.

مجموعات (واتس آب) التي تمزج بين لبنانيي الداخل والشتات مشتعلة بالغضب وسط دعوات لاتخاذ إجراءات حازمة ضد قادة البلاد.

ليس هناك ثقة كبيرة في قدرة الحكومة على القيام بتحقيق شفاف لتحديد سبب الانفجار. لكن بالنسبة للعديد من اللبنانيين، فإن التحقيق ليس له ما يبرره. فالإهمال في ترك 2700 طن من نترات الأمونيوم بجوار البنية التحتية الحيوية في قلب بيروت هو نفس الإهمال الذي أبقى لبنان بدون خدمات أساسية مثل الكهرباء وجمع القمامة. إنه ببساطة جزء من نواة فاسدة مترسخة في نسيج الحياة اللبنانية.

بالنسبة لنا نحن اللبنانيين في الخارج، فإننا نبكي مثل الأجيال التي سبقتنا، وقد كسرتنا هذه المأساة التي تبدو بلا نهاية.