الأمير الذي علّمني والوزير الذي درّسني: بحارٌ متصلة بدلاً من جزرٍ منفصلة

عبدالغني الكندي- باحث قسم العلوم السياسية جامعة الملك سعود

عندما كنتُ طالباً في قسم العلوم السياسية بجامعة الملك سعود تتلمذتُ على أيدي كوكبةٍ وضاءةٍ من كبار خبراء العلوم الاجتماعية والإنسانية في هذه الجامعة العريقة. ولعل من أبرز نجوم تلك الكوكبة المعرفية التي أشرقتْ بنور العلم والمعرفة في ثنايا كهوف جهلي المظلمة آنذاك، والتي تقلدتْ مسئولياتٍ كبرى في المجال العام، أمير منطقة المدينة المنورة الدكتور الأمير فيصل بن سلمان، ووزير التعليم الحالي الدكتور حمد آل الشيخ. وإن كان الأول قد أحبَّ العلوم السياسية والعلاقات الدولية ونال درجة الدكتوراه فيها من جامعة اكسفورد في بريطانيا، فإن الأخير كان مولعاً بالاقتصاد السياسي ونال شهادة الدكتوراه بهذا الحقل المعرفي من جامعة ستانفورد في أمريكا. وفي الواقع كلاهما من الذين أثْروا حياتي المعرفية، وأسهموا بشكلٍ ملحوظ في صناعة وتكوين أفكاري العلمية، ومدّوا لي جسوراً صلبةً نحو المناهج العلمية الحديثة ومعاييرها الدقيقة في الملاحظات التجريبية وشروط قابليتها للدحض والتكذيب، فضلاً عن دورهم الكبير في تدريبي على فنّ الحفر والتنقيب في بطون الكتب الجادة لاستخراج الأدلة العلمية المقنعة، وكيفية تنويع مصادر المعرفة، وتطوير آليات النقد والمحاججة المنهجية والمنظمة في أبحاثي ورسائلي العلمية.

وعلى الرغم من اختلاف مصادر ومرجعية استدلالاتهم الفكرية، إلا أن كلاهما كانا في غاية الحرص على التواصل المستمر على ما يطرأ من مستجدات علمية على الواقع السياسي والاقتصادي، والاطّلاع على العناصر المتجددة في موضوعات المعرفة من أجل نقلها وتدريسها لطلابهم، وتحطيم أوثان النظريات القديمة الصلبة بمعاول الحقائق العلمية الجديدة، ولذلك كانا يميلان دائماً إلى تأجيل جنازة موت الفرضيات العلمية حتى سماع حشرجة نهاية الاختبار العلمي بكل ذخائرها ونفائسها المستحدثة. وفي سياق رغبتهما بالإبداع والتجديد المستمر في المعرفة، وربط الماضي بالحاضر، والقديم بالجديد، وتجديد شبكة العلاقات العلمية بين الأجيال المتعاقبة في الحقول المعرفية، فقد أحال الدكتور فيصل المنظّر السياسي مورغنثاو  إلى التقاعد الفكري المبكر في سجل النظريات السياسية، ودمج نظرياته عن مركزية القوة والمصلحة في العلاقات الدولية في إطار الافتراضات المستحدثة لنظريات الواقعية الجديدة. والحال كذلك مع الدكتور حمد الذي أقال آدم سميث من إدارته للأياد الخفية التي تدير اقتصاد السوق الرأسمالي، ودمج نظرياته عن مركزية المصلحة الفردية والجشع الشخصي في سياق النماذج النظرية المتجددة لليبرالية الجديدة، والسياسات المالية الكنزية.

الاستدلال بهذين النجمين اللامعين في مجال الشأن العام ونشاطهما العلمي والتربوي السابق في المجال الأكاديمي، والاستشهاد بتشجيعهما الدائم لآليات التجديد والابداع المستمر يكمن في صدور مشروع استقلالية ثلاث من الجامعات السعودية. فكل الجامعات الكبرى عبر العالم التي تتصدر قوائم التصنيف الأكاديمي العالمي تتسابق بكل ضراوة وتسعى حثيثاً أن تحتل صدارة التصنيف عبر الاستشهاد بخريجي أقسامها العلمية لاسيّما أولئك الذين تقلدوا وظائف قيادية عليا، أو من خلال الاحتفاء والتباهي بأسماء منسوبيها الأكاديميين من طبقة الانتلجينسيا الذين تسلموا مناصب ادارية مؤثرة في الفضاء الاجتماعي العام. ومن أجل تحسين مواقع الأقسام العلمية في قوائم التصنيف العالمي، وتحفيز دور القطاع الخاص واشراكه في دعم مشاريعها وبرامجها العلمية المنشودة، غالباً ما تبرز تلك الأقسام أسماء خريجيها اللامعين وتحتفي بأسماء منسوبيها الأكاديميين المؤثرين في المجال العام. ولتحقيق تلك الأهداف أنشأت الأقسام العلمية مؤسسات حاضنة لمخرجاتها وكوادرها البشرية ووفرت لهذا الرأسمال البشري الخاص كل الموارد المتاحة والتسهيلات اللازمة داخل ما يعرف بجميعه أو رابطة الخريجين Alumni Association)).

هذه الجمعية بشكل عام تعقد بشكل سنوي، وتعد ملتقى أكاديمي لخريجي الأقسام العلمية وأعضاء هيئة التدريس سواء كانوا على رأس العمل في المجال الأكاديمي، أو من المتقاعدين، أو من منسوبيها الناشطين والمؤثرين في الشأن العام، أو حتى من صناع القرارات في المؤسسات العامة، الذين يشتركون بشكل جمعي في انتمائهم النظري للحقل المعرفي، وينطلقون من إطار فكري عام، أو مرجعية نظرية شاملة، أو نموذج ارشادي مشترك في طرق الاستدلال والادوات المنهجية في فهم الواقع التجريبي. وغالباً ما يُنظر إلى هذا الملتقى أو المحفل الخاص بوصفه من الفعاليات الثقافية والاجتماعية غير الرسمية في الجامعات الكبرى نظراً لما يقدمه من منافع وخدمات عامة، وللأثر الايجابي الذي ينتجه على المستوى الاجتماعي والثقافي والاقتصادي. فهذه الجمعية بمثابة إطار مؤسسي من خلالها تُقدم الفرص الاستثنائية لإعادة انتاج الروابط الاجتماعية والأكاديمية المتفككة بين مخرجاتها، فضلاً عن كونها حيز مكاني يستهدف احياء التواصل و الحوار الفعال بين الأجيال المتعاقبة على القسم من الذين ينتمون لمدونة فكرية مشتركة, وينهلان من مرجعية نظرية متقاربة، بدرجة معقولة، ولديهم رؤى وتصورات متماثلة نسبياً حول اليات انتاج المعنى فيما يتعلق بالعالم الخارجي. بالإضافة إلى اسهام تلك الجمعية في بناء وتجديد أو ترميم شبكة العلاقات الاجتماعية والأكاديمية المتصدعة، فإنها تعمل كذلك على تقوية أواصر الرفقة والمحبة وتعزيز قواعد الاحترام المتبادل والثقة البينية بين الطلاب خريجي القسم والأكاديميين السابقين واللاحقين، وتفعيل عمليات الاتصال الشخصي وتبادل الخبرات الاجتماعية والعلمية بين كل أطراف هذا الملتقى. وهذا الحال من التفاعل الاجتماعي حتماً سينعكس أيضا على الابعاد الثقافية التي ستكون بكل تأكيد حاضرة في هذا المحفل الأكاديمي، حيث تتبادل العقول المعارف والأفكار والنظريات الجديدة التي طرأت على موضوعات المعرفة ذات الاهتمام المشترك، ونقل الخبرات والتجارب القديمة إلى الأجيال الجديدة، ناهيك عن التلاقح الحيوي بين التصورات الثقافية المتنوعة داخل الحقل المعرفي بما سينعكس على تجديد شروط المعرفة العلمية وفتح قنوات اتصال جديدة نحو آفاق أوسع في عالم الابداع والمعرفة.

ونشاط جمعية الخريجين لا يقتصر على البعد الاجتماعي والثقافي فقط، فالإسهام الاقتصادي حاضر أيضاً في كل برامج جمعيات الخريجين، هذا إن لم يكن أهم تلك الأبعاد على الاطلاق. فالفعاليات والأنشطة التي تقدمها الجمعية عادة ما تشكل حافزاً جذاباً لشركات ومؤسسات القطاع الخاص لدعم ورعاية ما تنتجه من برامج ومحاور بحثية تتقاطع مصالحها مع الاهتمامات العامة لها. وفي بعض المناسبات يتبنى رواد الأعمال ومدراء القطاع الخاص بعض برامج تلك الأقسام وتخصيص ميزانية دعم بحثي خاص لها. وقد يزداد اهتمام القطاع الخاص في توجيه الدعم المالي والرعاية المادية في بعض الحالات التي يكون المتحدث الرسمي في جمعية الخريجين من صناع القرارات الاستراتيجية أو المؤثرين في المجال العام أو أحد الحاضرين في فعاليتها. وليس من المصادفات الاستثنائية أن يكون أحد الداعمين للبرامج العلمية لتلك الأقسام الأكاديمية أحد رواد الأعمال الذين تخرجوا من ذلك القسم ويود أن يسهم, كجزء من المسئولية الاجتماعية, في دعم أنشطتها وبرامجها المنشودة. وتعد هذه فرصة مواتية للجمعيات لاستقطاب هذه الفئة من رواد الأعمال واجتذاب أشكالا متنوعة من الاستثمار والدعم الرأسمالي لمشاريع الأقسام العلمية. ووفق هذا التوجه تقدم بعض الأقسام في الجامعات الكبرى فرصاً واعدةً للاعتراف الاجتماعي والامتنان لمثل هذا الشكل الخاص من الدعم المتبادل عبر طباعة أسماء المتبرعين والداعمين لبرامجها على بعض القاعات أو المكتبات أو الأندية الخاصة أو المشاريع المستقبلية. وهذا الشكل الخاص من الامتنان المتبادل هو عرف أكاديمي شائع ودارج في جمعيات الخريجين عبر العالم ومصممة بشكل ملائم لجذب التبرعات والمنح والهبات المالية من الذين يبحثون عن تخليد ذكراهم، وتأبيد أسمائهم في قاعات وأروقة الأقسام التي تخرجوا منها ولديهم الرغبة في التعبير عن انتمائهم الثقافي وامتنانهم العميق لهذا القسم الذي أسهم في تشكيل بنيتهم المعرفية ووعيهم العلمي. وقد يعبر أيضاً عن هذا الشكل من الانتماء الفكري بعض أعضاء مجالس ادارة الشركات أو رواد الأعمال الذين لم يتخرجوا من تلك الأقسام، بيْد أنهم يجدون ولعاً خاصاً واهتماماً كبيراً ببعض أنشطة ومشاريع الأقسام العلمية فيقبلون على دعمها مالياً ولوجستياً.

ما ذكرته آنفاً هو غيضٌ من فيضٍ عن المنافع الكلية المرجوّة من جمعيات أو روابط الخريجين. والاستدلال بالأمير أو الوزير في هذا السياق هو لابراز أهمية تلك الأسماء الكبيرة واللامعة ذات الوزن الاجتماعي الاعتباري التي غالباً ما تلفت اهتمام شركات الرعاية والنفع الخاص. وهو الأمر الذي ينطبق أيضاً على خبراء آخرين في تخصصات العلوم السياسية من الذين أدين لهم كثيراً في تكويني المعرفي ونشأتي العلمية ومازالوا مصدر إلهام للإبداع المعرفي والاشعاع الثقافي التنويري لكثير من متلقي المعرفة السياسية، ومن المحتمل أن يلعبوا أدواراً فعالةً في مثل هذا النشاط الاجتماعي والأكاديمي. وان كان البعض منهم قد أسهم في مرحلة سابقة في المجال البحثي والأكاديمي في بعض أنشطة المجال العام ومازالوا على رأس العمل الاكاديمي كالمبدع والخبير المعروف في نظريات العلاقات الدولية د. عبدالله الحمادي، أو المختصّ في مجال السياسات المقارنة ورئيس جمعية العلوم السياسية الحالي وعضو مجلس الشورى السابق د. طلال ضاحي .فالبعض منهم، وعلى الرغم من تقاعده من العمل الأكاديمي، إلا أنه مازال فاعلاً رئيسياً في المجال الرسمي العام كالمختصّ المبحر في مجال السياسات الخارجية، وعضو مجلس الشورى الحالي د. صالح الخثلان، أو المنظّر الكبير في مجال الفكر الغربي والنظريات السياسية وسفير السعودية الحالي في روسيا د. رائد قرملي وغيرهم. كل تلك الأسماء البارزة والمؤثرة مازالت تعمل في آفاق متنوعة دون أن تحتوي مجهوداتهم البحثية وأفكارهم التنويرية مؤسسات علمية أو مظلة أكاديمية، كرابطة الخريجين، التي لربما ستسهم في إنتاج شكل من أشكال التعاون العلمي المنشود والفعل الجماعي المنظم في الانتاج البحثي. كما يمكن النظر إلى تلك الأسماء اللامعة بوصفها نقاط جذب استثمارية حقيقية لدعم القطاع الخاص للمشاريع البحثية لقسم العلوم السياسية في حال تم إنشاء جمعيات للخريجين حيث تعمل تحت مظلتها تلك الأسماء كبحار متصلة تتلاطم في سمائها أمواج الأفكار المتجددة والتعاون المثمر، بدلاً من الإنتاج الفكري والعمل البحثي في جزرٍ اجتماعيةٍ منعزلةٍ وشواطئ نائية، وهو الحال الذي ينسحب على كل الأقسام العلمية في جامعات المملكة.