علاقة طبعها الغموض وعدم الاستقرار بين المملكة المتحدة وأوروبا

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، أعلن ونستون تشرشل تأييده إنشاء “ولايات متحدة أوروبية”، لكنه قال أيضاً إن بلاده ستفضّل للأبد “أعالي البحار” عن أوروبا.

وفي 31 كانون الثاني/يناير، تفتح بريطانيا الممزقة تاريخياً بين أوروبا وبين تعطشها لاستكشاف الآفاق البعيدة، فصلا جديداً ضمن هذه العلاقة المضطربة بخروجها من الاتحاد الأوروبي.

– تحولات القرن السادس عشر – لم تكن بريطانيا العظمى جزيرةً دوماً، بل كانت حتى الألفية السابعة بعد الميلاد متصلة بالقارة الأوروبية بأراضٍ عرفت باسم “دوغرلاند”.

وكان تاريخ بريطانيا مرتبطا بالتاريخ الأوروبي منذ العصور الكلتية.

استعمر الرومان الجزيرة في عام 43 حتى القرن الخامس، تاركين خلفهم سور هادريان الذي ما زال قائماً حتى اليوم.

وغزت القبائل الجرمانية من بعدهم الجزيرة.

بدأت بعد ذلك غزوات الاسكندينافيين ثم احتل النورمان عام 1066 بريطانيا، وأدخلوا اليها الثقافة واللغة الفرنسيتين.

شكل الانشقاق عن بابا الفاتيكان في عهد الملك هنري الثامن الذي اعلن نفسه قائدا للكنيسة الانكليزية، محطة انفصال حاسمة عن اوروبا.

في القرن السادس عشر، وبعد سقوط مدينة كاليه عام 1558 بيد الاسبان ثم فشل أسطول أرمادا إينفينسيبلي الإسباني بغزو إنكلترا، حولت الملكة إليزابيث الأولى بلادها “180 درجةً بعيداً عن أوروبا ونحو البحار حيث ستثبت تفوقها”، كما يوضح فرانسوا-شارل موغيل كاتب “تاريخ المملكة المتحدة”.

في معركة واترلو عام 1815، هزم الإنكليز والبروسيون نابليون الذي أراد تدمير اقتصاد المملكة عبر محاصرتها.

سيمرّ قرن بعد ذلك حتى يعود الجيش البريطاني إلى القارة.

في مطلع القرن العشرين، باتت الإمبراطورية البريطانية تسيطر على ربع الكوكب من كندا إلى أستراليا، مروراً بالهند، وفقدت هذه المملكة التي حققت وحدتها أخيراً اهتمامها بأوروبا.

– القتال ضد النازية – دخلت المملكة المتحدة الحرب العالمية الأولى بعد انتهاك حيادية بلجيكا التي كانت ملتزمة بالدفاع عنها.

وفي عام 1939، أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا بعد غزوها بولندا.

شدد تشرشل حينها على أن هذه الحرب هي “لإنقاذ العالم من طاعون الطغيان النازي”، وباسم “القيم المقدسة للإنسانية” التي تريد لندن الدفاع عنها حتى خارج أوروبا.

كان البريطانيون على قناعة بأن قيمهم الخاصة لم تلطخ بالحرب ولم يكونوا على استعداد لأن يعرّفوا عن أنفسهم باسم قارة مذلولة وتدفع “ثمن حماقاتها الاستبدادية وهفواتها”، بحسب موغيل.

وشعر البريطانيون منذ قرون كذلك بأن عزلتهم كجزيرة خلف البحار تحميهم.

وبقي هذا الشعور مطبوعاً في الروح البريطانية رغم تطور الأسلحة في العصور اللاحقة وبناء نفق المانش عام 1994.

– محاولات تقارب وفيتو ديغول- يوضح المؤرخ موريس فاييس أن البريطانيين في أعوام الستينيات والسبعينيات “بدؤوا بالتقرب بشكل معتدل ومتردد من أوروبا في مرحلة كان يمر فيها اقتصادهم بوقت عصيب فيما كانت القارة تعيش ازدهاراً”.

لكن الجنرال شارل ديغول وضع مرتين، في عامي 1963 و1967، فيتو على انضمام المملكة المتحدة إلى التكتل الأوروبي، خشية منه على الزراعة الفرنسية وتخوفاً من أن تكون بريطانيا بمثابة حصان طروادة الذي سيفتح المجال أمام دخول الولايات المتحدة إلى القارة.

ويضيف المؤرخ أن وزير الزراعة الفرنسي في حينه إدغار بيساني لخص الأمر بالقول إن فرنسا كانت بمثابة القائد الوحيد للتكتل الأوروبي “وإذا دخلت بريطانيا، سيكون هناك قائدان، وذلك غير ممكن”.

ولن تدخل بريطانيا السوق الأوروبية المشتركة إلا عام 1973 بعد وصول جورج بومبيدو للرئاسة الفرنسية.

– أوروبا حسب الطلب – تأسست أوروبا على مبدأ السلام، ورأى البريطانيون فيها عاملاً محفزاً لاقتصادهم في ظلّ التقدم الاقتصادي المذهل لفرنسا وألمانيا.

يوضح موغيل “بالنسبة لمارغريت تاتشر، كانت السوق المشتركة هي الأهم.

فصّلوا انطلاقاً من الانجازات الأوروبية أوروبا على مقاسهم”.

ودفعت لندن باتجاه توسيع منطقة التبادل التجاري الحر إلى أبعد ما يمكن.

لكن في المقابل، وفي ما يتعلق بتعميق الوحدة بين دول الاتحاد، اعتبرت لندن أن في ذلك تقويضا لسيادتها المقدسة، او محاولة لوضع ثقلها السياسي والعسكري بمواجهة قوى دولية أخرى، ما يضر بعلاقتها مع الولايات المتحدة.

وبعدما رفضت الانضمام إلى النظام النقدي الأوروبي عام 1979، امتنعت كذلك عن توقيع اتفاق منطقة شنغن حول حرية الحركة في عام 1985 وتحويل عملتها إلى عملة اليورو المشتركة عام 1993.

في عام 1984 فازت مارغريت تاتشر في معركة تخفيض إسهامات المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي التي خاضتها تحت عنوان “أعيدوا لنا أموالنا”.

ومع تصاعد التشكيك في الاتحاد الأوروبي حتى داخل حزب المحافظين، تعهد رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ديفيد كاميرون “2010-2016” بإعادة التفاوض حول شروط بقاء المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبي، خصوصاً حول مسألة حرية التنقل.

ونظم استفتاء في حزيران/يونيو 2016، اعتزل بعده كاميرون السياسة، وانطلقت من بعده عملية انفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي.