نسخة تجريبية سجل

الدخول

 

الصين .. المحيرة

29 سبتمبر 2012، آخر تحديث 02:09

قد نتفهم الموقف الروسي من الأزمة السورية، باعتبار أن روسيا لها ديون على سوريا تزيد عن 10 مليار دولار، وقاعدة بحرية في طرطوس وهو في ذات الوقت الميناء الوحيد لرسو السفن الروسية على شواطئ المتوسط، ونظام البعث يأتي رابعا من حيث شراء السلاح الروسي.قد نتفهم هذا الارتباط المذهبي المتجذر بين نظام الملالي في طهران ونظام دمشق، ودفاع إيران المستميت للحفاظ على نظام الأسد.
لكن المحير والمثير للاهتمام الموقف الصيني من الأحداث في سوريا. في نوفمبر 1990 اصدر مجلس الأمن قراره الشهير 678 والذي ينص على جواز استخدام القوة لإخراج القوات العراقية من الكويت، كان الدور الأكبر في إنجاح إصدار القرار للصين بامتناعها عن التصويت وعدم استخدام حق النقض (الفيتو)، بالمقابل حصلت الصين من الولايات المتحدة على ميزة الدولة الأولى بالرعاية؛ ميزة منحت للصين امتيازات في تصدير سلعها للسوق الأمريكية وامتيازات تجارية أخرى، فشكل ذلك بداية الصعود الاقتصادي الصيني، أي أن العقلانية والحنكة الصينية آنذاك، منحتها المساحة الكافية الزمانية والمكانية للنهوض، لتصبح الآن القوة الاقتصادية الثانية بعد الولايات المتحدة.
تغلغت الصين بدهاء إلى القارة السمراء، قدمت المساعدات المالية دون اشتراطات سياسية، لتسيطر اقتصاديا على القارة، في غفلة من الزمن الأمريكي، الذي وضع مواقيته على جميع القارات ماعدا القارة الأفريقية. قرأت الصين المتغيرات الدولية منذ انهيار الاتحاد السوفيتي ببراجماتية بارعة، فكانت القوة الأسرع نموا.
اتكأت على تراث عظيم، وحضارة متصلة، فقرأت تاريخها بوعي متكامل، فكانت الواقعية والعقلانية نهجها، لتجنبها أزمات متعددة. رآها البعض قوة خيرة، كلما تذكروا أن اليابان، تاريخيا، كانت الغازية للأراضي الصينية. راهن الكثير على صعود الصين بأنها القطب الموازي في مسرح السياسية الدولية، خاصة في سطوة المحافظين الجدد على السياسية الأمريكية. لكن الصين تخلت عن عقلانيتها وحنكتها وحفاظها المتميز على مصالحها في أقطاب المعمورة، وأصبحت تابعة للقرار الروسي، دون أي مبرر سياسي أو اقتصادي أو تاريخي أو أخلاقي، وأظهرت التبعية الخانعة لموسكو، رغم أن مصالح موسكو مع بكين أكثر أهمية من مصالح بكين مع موسكو. فهل تعود الصين لرشدها وبراجماتيها وحنكتها وتنأى بمواقفها عن موقف موسكو الداعم لنظام بعث دمشق؟! وهل تعود بكين للحفاظ على مصالحها السياسية والاقتصادية والثقافية مع العالم العربي، وتتخذ الموقف الأخلاقي والإنساني، بامتناعها عن استخدام حق النقض (الفيتو) لأي قرار مستقبلي يصدر من مجلس الأمن لإنقاذ الشعب السوري من آلة القتل الأسدية، على غرار موقفها من القرار 678 ؟!